أحمد بن علي الطبرسي
148
الاحتجاج
مستغنيا عنهم ، هذا من الشاهد والدليل عليه من القرآن قوله عز وجل : ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) ( 1 ) فما اتفق يوم أحسن منه ، ودخل في هذا الأمر عالم كثير . وقد كانت لأبي جعفر مؤمن الطاق مقامات مع أبي حنيفة . فمن ذلك : ما روي أنه قال يوما من الأيام لمؤمن الطاق : إنكم تقولون بالرجعة . قال : نعم . قال أبو حنيفة : فاعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا . قال الطاقي لأبي حنيفة : فاعطني كفيلا بأنك ترجع إنسانا ولا ترجع خنزيرا . وقال له يوم آخر : لم لم يطالب علي بن أبي طالب بحقه بعد وفاة رسول الله إن كان له حق ؟ فأجابه مؤمن الطاق : خاف أن يقتله الجن كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم المغيرة بن شعبة . وفي رواية بسهم خالد بن الوليد ( 2 ) .
--> ( 1 ) يونس - 35 ( 2 ) سعد بن عبادة : رئيس الخزرج ، وكان صاحب راية الأنصار يوم بدر وأمير المؤمنين عليه السلام صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وآله والمهاجرين . ولما قبض النبي صلى الله عليه وآله اجتمعت الأنصار إليه وكان مريضا فجاءوا به إلى سقيفة بني ساعدة وأرادوا تأميره ، ولما تم الأمر لأبي بكر امتنع عن مبايعته ، فأرسل إليه أبو بكر ليبايع فقال : لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي ، وأخضب سنان رمحي ، وأضرب بسيفي ما أطاعني ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن تبعني ، ولو اجتمع معكم الجن والإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي . فقال عمر : لا تدعه حتى يبايع فقال بشير بن سعد : إنه قد لج وليس بمبايع لكم حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته ولا يضركم تركه ، إنما هو رجل واحد فتركوه ، وقبلوا مشورة بشير بن سعد ، واستنصحوه لما بدا لهم منه فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع معهم ، ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم ، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر راجع ج 3 ص 210 من تاريخ الطبري وقال ابن أبي الحديد في ج 1 ص 540 من شرح النهج : وخرج إلى حوران فمات بها قيل : قتله الجن لأنه بال قائما في الصحراء ليلا ، ورووا بيتين من شعر قيل : أنهما سمعا ليلة قتله ولم ير قائلهما : نحن قتلنا سيد الخزرج * سعد بن عبادة ورميناه بسهمين * فلم تخطئ فؤاده ويقول قوم : أن أمير الشام يومئذ كمن له من رماه ليلا وهو خارج إلى الصحراء بسهمين فقتله لخروجه عن طاعة الإمام وقد قال بعض المتأخرين في ذلك : يقولون : سعد شكت الجن قلبه * ألا ربما صححت دينك بالغدر وما ذنب سعد أنه بال قائما * ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر وقد صبرت من لذة العيش أنفس * وما صبرت عن لذة النهي والأمر